حسن حسن زاده آملى

787

عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون

الشمال أضعف من اليمين ، وجعل المتكبر من اليمين لأنه محل القوة فتكبّر لقوته التي أحسّها من نفسه . وجاء للمشرك من بين يديه فإنّه رأى إذ كان بين يديه جهة عينية فأثبت وجود اللّه ولم يقدر على انكاره فجعله إبليس يشرك مع اللّه في ألوهيته . وجاء للمعطّل من خلفه فإن الخلف ما هو محلّ النظر فقال له ما ثم شيء أي ما في الوجود إله . اعلم أن مواد الاشخاص الأخروية ومتعلقاتها وما يكون بمنزلة البذور للأشجار ، والنطف للحيوانات ، والهيولي للعقليات انما هي التصورات الباطنية والتخيلات النفسانية والتأملات العقلية لأن الدار الآخرة وكل ما فيها ليست من جنس هذه الدار وما فيها ؛ فما في الدنيا له مادة جسمانية تطرأ عليها صورة أو نفس من خارج بإعانة أسباب خارجية وأوضاع وحركات فلكية ولأجسامها الحيوانية حيوة عرضية ؛ وما في الآخرة من الجنّات والأشجار والأنهار وغيرها أرواح هي بعينها صور معلّقة قائمة بذاتها ، حياتها نفس ذاتها ، وكل نفس انسانية مع ما يتعلق بها من الحور والقصور والأشجار والأنهار جميعها موجودة بوجود واحد ، وحية بحيوة واحدة والمجموع مع وحدته الشخصية متكثر الصور . والانسان إذا انقطع عن الدنيا وتجرّد عن لباس هذا الأدنى وكشف عن بصره هذا الغطاء كانت قوته الادراكية قدرة وعلمه غيبا وغيبه شهادة فيصير مبصرا لنتائج أعماله وأفكاره ، ومشاهدا لآثار حركاته وأفعاله ، قاريا لصحيفة أعماله ولوح كتابة حسناته وسيئاته كما قال - تعالى - : « وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ . وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً » « 1 » . وممّا يدل على أن الانسان الكائن في الدار الآخرة غير متكون من مادة طبيعية بل من صور نفسانيّة ادراكية قوله - تعالى - : « وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ » « 2 » ، وقوله : « إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ » « 3 » . ومعلوم أن ما في عليين ليس مخلوقا من المادة الجسمانية فعلم أن المرء متكون في القيامة من معلومه ومعتقده فإن كان معلومه من باب الشهوات المذمومة والأماني الباطلة والأهواء الفاسدة تكون من أهل النار والعذاب محترقا بنار الجحيم يكون كتابه في سجين ، وان كانت معلوماته من باب الأمور القدسية ومعرفة اللّه وملائكته وكتبه ورسله فيكون لا محالة من أهل الملكوت الأعلى والمنزل الأرفع والقرب الأدنى والرفيق الأسنى « 4 » .

--> ( 1 ) . الإسراء : 13 - 14 . ( 2 ) . الواقعة : 61 . ( 3 ) . المطففين : 18 . ( 4 ) . الأسفار ، ط 1 ، ج 4 ، ص 178 .